ثقافة فيلم "عن الخلود" للمخرج روي أندرسون: كيف تحوّل الانسان إلى مسيح جديد
يعود المخرج السويدي روي أندرسون برائعته "عن الخلود" عام 2019 إلى عالم السينما، ليبحث داخل معالم انسان ما بعد الحداثة، بما يملكه من وحشية تعكسها كاميرا ثابتة، ليتمكن من خلال هذا الفيلم من الفوز بجائزة أحسن مخرج في مهرجان "فينيسيا". "عن الخلود" هو ترجيديا سوداء تجعلنا نتساءل هل أضاع الانسان طريقه نهائيا ؟
I. الروح و الجسد:
يجلس الانسان داخل مجتمعات الوفرة و الرفاهية، وحيدا، عابسا، تحلق روحه بعيدا عن جسده، فلأن أعتبرت الروح هي المحرك الأول للجسد فإن اندرسون يجعلها في مجتمعاتنا المعاصرة منفصلة عنه تحلق بعيدا عن عالم الحروب الذي غرقنا داخله منذ مطلع القرن العشرين، وذلك بعد إعلان الحرب العالمية الأولى و الثانية و بروز أسلحة الدمار الشامل، لذلك يجسد الفيلم غياب الروح عن عالمنا و هروبها منا، حيث انعتقت و تحررت من المادة بعد ان اضحى الانسان غير مبالي بما هو روحي ليتحول الجسد بذلك الى آلة كما اقر ديكارت، تتحرك ميكانيكيا و تلقائيا بما يتناسب مع متطلبات المادة وحسب.
تكمن ديكارتية أندرسون في كونه فصل الفكر عن الجسد و أعاد ثنائية كدنا ننسى انها موجودة ولآن أضحى الانسان مختزلا في بعده المادي فان لحظة الوجود و التحقق العيني أي ان يكون الانسان ذاتا واعية مستقلة متحققة بغض النظر عن الوجود المادي لم تعد موجودة، لقد استبدل اندرسون الكوجيطو الديكارتي و حوّله من الذات المفكرة إلى الجسد الآلة، حيث يختزل الوجود داخل المجتمعات الصناعية في المادة، فبقدر انغماس الانسان في عالم الاستهلاك و إصراره على التملك يكون بذلك قد وجد من هنا انطلق خريف الإنسانية لذلك ينطلق الفيلم بجملة "لقد حلّ شهر سبتمبر" كل أشهر السنة اصبحت سبتمبر..
سبتمبر بداية الخريف لكن أي خريف يتحدث عنه مخرجنا!؟ خريف الطبيعة الذي لا يدوم ام هو خريف الإنسانية الذي غرقنا فيه منذ بداية العالم الصناعي حيث تلونت وجوهنا باصفرار خانق، لنسقط ببطأ في القاع ثم ندهس، نذوب و نضمحل وسط هراء العزلة و الفردانية التي اوقعتنا داخلها مجتمعاتنا المتقدمة، "الكائن الإنساني ليس الا شعورا بالوحدة.. "وحيد يحيط به وحيدون" تذكرت هذه العبارة من كتاب "حفلة التفاهة" لميلان كونديرا و أنا أشاهد هذا الفيلم ففي كل مرة نلتقي شخصية تجلس بفردها وسط الجماعة، يكون الحوار مبتذلا، قصيرا و متقطعا، بسيطا لدرجة الإزعاج.
جسد بلا روح هكذا هو انسان روي اندرسون، لا يستطيع التناغم مع من حوله ولا حتى التواصل معهم، انّ قيم التواصل و التضامن و الشعور بالاخر ذابت داخل المجتمعات الفردانية، لقد اضمحلت قيم المشاركة والاخوة والتفاعل بين الافراد وسط عالمنا الاداتي الذي ينكر القيم الجماعتية و يؤسس للمصلحة الفردية قبل المصلحة العامة. ومن هنا نتبين ان المجتمعات الليبرالية التي تولي للفرد أهمية قصوى بدل الجماعة قد عجزت عن بناء واقع انساني افضل لانها تعطي أولوية للقواعد الصورية مقارنة بالقيم الجماعية و بذلك هي لا تبحث في امكانية قيام مجتمع أفضل.

II. المسيح الجديد
«بالسعادة، السعادة في الحياة، سنحاول مساعدتك و لكن كما تعلم انا لا اعمل دون مقابل !» هكذا يقول الطبيب للقس، في النهاية كلاهما يبحثان عن السعادة النفسية للآخر و يحاولان تقديمها لكن بالمقابل، بما ملكت جيوبنا، تقاس سعادتنا هنا بما سنقدمه من المال من اجل الخلاص من القلق، ان تكون قسا أو طبيبا نفسيا يعني ان تؤمن بالروح و وجوب خلاصها من المادة يعني ان تستنجد السعادة بغض النظر عن كل العوامل الخارجية أما اليوم ارباب المعابد و المخلصين من شرور العالم الحسي هم ذاتهم المكرسين له ، مفرغين من كل احساس.
هكذا نحن، يعوزنا القلق ، حيث السعادة لم تعد في اللألم و الطمأنينة كما اعتبر ابيقور، فاللذة لم تعد في الروح ، في الفكر و التعقل و بل اضحت داخل الاهواء، فنصلب من اجل منفعتنا لا من اجل الآخر، القس و الطبيب كلاهما مسيح جديد لا يموت من اجل خلاص البشرية بل فقط من اجل منفعته المادية، جميعنا نمثل هذا المسيح حيث نرى القس مجددا يرتدي زيه داخل الكنيسة، يسكر، يبكي ثم ينادي «يا الهي لما تخليت عني؟» كما كان يقولها المسيح حينما صلب، ثم يخرج و يعض الناس.
هكذا نحن تماما، تخلينا عن الروح فتخلى الاله عنى، فانتهى ايماننا و انتهت معه علاقتنا بالوجود بما هو وجود في ذاته، بماهو خروج عن عالم الضرورة ، بما هو فناء للمادة ، فيكون خلودنا جسديا لا يعكس من الذات سوى مظهرها المهشم، ان موت المثل العليا مثل الاله وغيره من القيم الاخلاقية هو ابرز مظاهر تفكك عالمنا، و ميلاد الانسان الجديد الذي يعبد المادة بدل الروح، بدل الفكر.

III. خلاصة: كيف أضاع الانسان طريقه و تحول إلى طماطم؟
جميع شخصيات و مشاهد روي التي تظهر لنا متقاطعة هي في الحقيقة تنتهي عند طريق واحد هو طريق الاغتراب داخل المجتمعات الرأسمالية، التي جعلت من الانسان اكثر تعاسة و ذو بعد واحد، حيث اماط اللثام على جميع مظاهر الاستلاب والتذويب التي تمارسها الرأسمالية الليبرالية على الافراد.
ان الطاقة الهائلة التي تصدر بها الالات و الخدمات الصناعية افنت الجانب الاجتماعي بل افنت الانسان ذاته، فلم يعد له وجود يقاس بالانسانية بل بالتصنيع و التصدير و البيع، فتجد تعاسته و سعادته مرتبطة بما يملك من مال.
ان الخلود عند روي أندرسون تحوّل من خلود الروح و الفكر الى خلود الثروة و المال و تكديس الأرباح، الخلود هو خلود المادة لا غير. تقول احدى الشخصيات :«....ان كل شيء يعتبر طاقة، و ان كل شيء لا يمكن تدميره هو امر لا متناهي يستطيع التحوّل فقط .. هذا يعني انك مفعمة بالحيوية و ان طاقتك لا يمكن ان تزول فقط تتحول الى شيء جديد و بحلول ذلك الوقت قد تصبحين بطاطا او طماطم» فتجيب الفتاة :«افضّل ان اكون طماطم».
هكذا الخلود المعاصر في تحوّلك الى طماطم او بطاطا او أسهم أو منزل فاخر و سياره او اسلحة او اي شيء جامد لا يمكن ان يعبّر سوى عن موت الخلود الانساني، عن موت الفكر، عن موت الانسان ذاته و تحوله الى مجرد مادة لا معنى لها حيث تشيّأ الانسان و تموضع و اغترب داخل عالم بلا روح، حيث لم تعد انجازاتنا و قيمنا تخلدنا في الوجود اذ لم يعد للوجود قيمة اليوم سوى في المنفعة ومن خلالها نظرت جميع شخصيات الفيلم للخلود بما هو انحلال داخل قوقعة الفردانية، السلطة و المال... فالخلود لمن ملكوا الارض و السماء و الطبيعة و عاثوا فيها فسادا.
وجدان شرفي
طالبة بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس و عضوة في نادي سينما تونس